الراغب الأصفهاني

15

الذريعة إلى مكارم الشريعة

وهذا المسلك - مع ملاحظة الفروق بين الباحثين والآخذين به - لا نوافقه ونبدي عليه ملاحظتين اثنتين : أ - أنه لا يفرق بين النص الإسلامي ( القرآن والسنة ) والفكر الإسلامي . فالمعلوم أن النصوص الإسلامية قدمت مادة ثرة لتأصيل قضايا هذا العلم رابطة إياها بالغاية العملية منه ، والفكر الإسلامي يوزن بقدر تطابقه مع هذه النصوص أو عدم تطابقه . لذا فإن حصر الإسلام في طوائف معينة هو نوع من تجاهل ما جاء في الإسلام وهو شامل للعالمين ، ثم هو قضاء لفئة بالتحيز دون أن يكون لها ذلك على وجه الحقيقة ، ولو ملكت ما تتميز به فليس لها أن تحجر على غيرها أو تحرمه حقا أعطاه الإسلام إياه في باب الدعوة إلى التعلم والتفكر . ب - أن هذا الحصر يتجاهل كتابات مهمة في علم الأخلاق الإسلامي ، ويمكن السؤال : أين نضعها إزاء هذا التحديد بالاتجاهات المعينة سالفة الذكر ؟ فكتابات ابن حزم الأندلسي ( ت 421 ه ) في كتابه « الأخلاق والسير في مداواة النفوس » تقدم لنا نموذجا من التجربة العملية التي تؤكد إمكانية مقاومة الرذائل لتحل محلها الفضائل ، وهذا النمط يفيدنا حين نبحث مسألة تغير الخلق بين المؤيدين والرافضين ، ويفيد في مبحث أثر البيئة والتنشئة والصحبة في أخلاق الفرد المسلم ، وهي معان أصيلة في الفكر الإسلامي ، أما أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري ( ت 450 ه ) فله كتاب مهم - تجاوزه منهج الحصر - في اتجاهات معينة ، والكتاب هو « أدب الدين والدنيا » وهو كتاب له مكانته في باب الأخلاق الاجتماعية أو ما سماه هو « أدب المواضعة » ويصف الكتاب محققه فيقول : « هو لا يتعرض للأصول الأخلاقية من الوجهة النظرية كالوراثة والبيئة والغرائز والأمزجة والعادة وما إليها وإنما يعول على ما في القرآن والسنة من آيات وأحاديث تحث على